أبو علي سينا

مقدمة الفن الثاني 10

الشفاء ( الطبيعيات )

وقد تغذت الدراسات الطبيعية في الإسلام بغذاء وفير ومتنوع ، فأخذت عن الهند والفرس ما أخذت ، وتأثرت بآراء كثير من مفكري اليونان ، أمثال ديمقريطس ، وأنباذوقليس ، وزينون الرواقى ، وأفلاطون . ولكنها عولت التعويل كله على أرسطو الذي ترجمت كتبه الطبيعية الهامة إلى العربية . ( ا ) أرسطو الطبيعي : لا شك في أن أرسطو يعد بين مفكري اليونان فيلسوف الطبيعة الأول ، عرض لجوانبها المختلفة ، عضوية كانت أو غير عضوية ، وعالج ظواهرها في عالمي السماء والأرض . فجدّ في الكشف عنها ، وجمع ما أمكن من خصائصها ، معولا على الملاحظة والتجربة حينا ، وعلى البرهنة والاستدلال حينا آخر . وحاول أن يحدد ، في اختصار ، قوانين التغير والحركة . فاستعاد ما كان للدراسات الطبيعية من ازدهار لدى الأيونيين وغيرهم من المدارس السابقة لسقراط ، وامتد هذا النشاط بعده جيلا أو جيلين على أيدي تلاميذه ، وأتباعه ، ثم فتر وتضاءل في القرون الخمسة التالية ، ولم يستأنف إلا في مدرسة الإسكندرية وعلى أيدي المشائين المحدثين . وقدر لآراء أرسطو الطبيعية أن تسود في القرون الوسطى ، إن في الفلسفة الإسلامية أو الفلسفة المسيحية ولدى مفكري اليهود ، وبقيت تردّد إلى أن ظهرت الكشوف العلمية الحديثة في القرن السادس عشر . وقد وضع أرسطو في الطبيعة عدة كتب ترجم معظمها إلى العربية ، وأدرك مفكر والإسلام ما بينها من صلة ، فلاحظوا أن منها ما ينصب على المبادي العامة ، وهو « كتاب السماع الطبيعي » ، وما ينصب على أمور خاصة ، « ككتاب السماء » ، « والكون والفساد » ، « والآثار العلوية » « 1 » . ويعنينا أن نقف قليلا عند الكتب الثلاثة الأخيرة التي تتصل اتصالا وثيقا بكتب ابن سينا التي نقدم لها . 1 - فأما « كتاب السماء » ، أو « كتاب السماء والعالم » كما يسميه العرب ، فيقع في أربع مقالات . وأغلب الظن أن هذه التسمية سابقة على الإسلام ، وأنها وليدة خلط بين كتاب أرسطو وكتاب DeMondo ليوزيدويتوس ( 135 ق . م . ) ، أحد رؤساء المدرسة المشائية المتأخرين ، لا سيما وفي كتاب أرسطو درس مستفيض

--> ( 1 ) الفارابي ، إحصاء العلوم ، القاهرة 1949 ، ص 96 - 97 .